طريق النهضة الشيخ تقي الدين النبهاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

طريق النهضة الشيخ تقي الدين النبهاني

مُساهمة من طرف غدير في الأحد سبتمبر 05 2010, 13:05


النهضة هي الارتفاع الفكري، وليست هي الارتفاع الاقتصادي ولا الارتفاع الروحي ولا الارتفاع الخلقي وانما هي الارتفاع الفكري ليس غير، فإذا كان هذا الارتفاع الفكري مبنيا على اساس روحي كانت النهضة نهضة صحيحة، لان الفكر مستنير فيها إلى اساس يستحيل عليه النقص فلا يتسرب الخطأ إلى الفكر من ناحية اسسه وانما يكون الخطأ ممكنا عليه من ناحية الفروع ولذلك يكون مأمون الاساس ثابت الاتجاه مقطوعا بنتائجه، اما اذا كان الارتفاع الفكري غير مبني على اساس روحي فانه يكون نهضة ولكنها نهضة غير صحيحة لان الفكر فيها لا يستنير إلى ما يستحيل عليه النقص فيكون عرضة للخطأ والخلل والاضطراب والضلال وجميع أنواع النقص فيتسرب ذلك إلى الاساس وبالتالي إلى الاتجاه والنتائج ولكنه على اي حال يحدث نهضة .
الا ان الفكر الذي تحصل بارتفاعه نهضة هو الفكر المتعلق بوجهة النظر في الحياة وما يتعلق بها لان ارتفاعه هو الانتقال من الناحية الحيوانية البحتة إلى الناحية الإنسانية، فالفكر المتعلق بالحصول على الطعام فكر ولكنه غريزي منخفض، والفكر المتعلق بتنظيم الحصول على الطعام اعلى منه، والفكر المتعلق بتنظيم شؤون الاسرة فكر ولكن الفكر المتعلق بتنظيم شؤون القوم اعلى منه واما الفكر المتعلق بتنظيم شؤون الإنسان باعتباره انسانا لا فردا هو اعلى الافكار ومن هنا كان مثل هذا الفكر هو الذي يحدث نهضة فعلى دعاة النهضة إذن ان ينشرون هذا الفكر ويجعلوه اساسا لغيره من الافكار وان يجعلوا العلوم والمعارف مبنية على هذا الفكر واخذة الدرجة الثانية من الاهتمام حتى يستطيعوا ان يحدثوا نهضة . والذي يتبادر إلى الذهن من نشر الفكر هو تأليف الكتب واصدار الصحف والمجلات ولذلك اقبل الناس عليها كطريقة لنشر الفكر وبالتالي كطريقة للنهضة بيد ان الواقع ليس كذلك فالكتب والصحف والمجلات والنشرات ان هي الا ادوات ووسائل ليس غير وهي لا تحدث نهضة وانما توجد افكارا عند من يقرأها فإذا اقتصر على ذلك وجدت من قراءة الافكار عن قصد التأثير فيحتم هذا القصد ان يقوم من يعطيها بالاتصال الحي بمن قرأ الافكار فرديا وجماهيريا في وقت واحد للمناقشة في هذه الافكار لتمكين من قرأها من لمس
واقعها ووضع اصبعه على هذا الواقع ولحثه على العمل لايجادها رأيا عاما بين الناس وفي العلاقات وفي الدولة فينتج عن ذلك الثورة الفكرية التي توجد النهضة فإذا وجد هذا الاتصال الحي فقد بدأ السير عن طريق النهضة، وإذا لم يوجد لا يمكن ان تبدأ النهضة، وانما قد يبدأ علم ومعرفة وقد يبدأ تأليف الكتب وهذا لا ينتج نهضة ولو اصبح اكثر أهل البلاد متعلمين ولو كانت الكتب التي تؤلف تعد بالالاف بل لا بد من الاتصال الحي إلى جانب الكتب والى جانب المتعلمين، وهذا يؤدي إلى ان تتحول هذه الافكار إلى تشريع والى دولة فتنتقل الافكار إلى التطبيق العملي بالاختيار وبالقسر وحينئذ تسير النهضة في طريقها العملي بعد طريقها الفكري فيجتمع الطريقان معا : دولة وقوانين تقوم بالنهضة في المجتمع وافكار تنشر متبوعة بالاتصال الحي فرديا وجماهيريا معا في وقت واحد تسير بالمجتمع الناهض الذي يحمل رسالة النهضة لغيره من المجتمعات وبذلك يصل الامر إلى ذروته من السمو والارتفاع . والناظر في العالم الاسلامي أو ما يسمونه اليوم الشرق الاوسط يلاحظ انه بدأ بتحسيس النهضة منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر حين بدأت استانبول - وهي حاضرة الخلافة الإسلامية - تحاول ان تقتبس الافكار التي تظن انها سبب نهضة اوروبا ثم اصبح ذلك واقعا عمليا في اوائل القرن التاسع عشر بعد غزوة نابليون لمصر وجلوس محمد علي على عرش مصر واقتطاعه اياها من جسم الدولة الإسلامية بواسطة عمولته لفرنسا ثم صار اخذ ما يظن انه أفكار توجد النهضة عاما في البلاد منذ ان دك عرش الخلافة وحطمت الراية الإسلامية وبسط الكفار المستعمرون سلطانهم على جميع بلاد الإسلام . وها قد مضى نصف قرن ومع ذلك فحتى هذه الساعة لم تحصل نهضة وانما وجدت بعض المعارف والعلوم . ولهذا فقد ان الاوان لان يدرك الناس في هذه البلاد بعد محاولات تقرب من قرنين ان الطريق الذي يسيرون فيه من دراسة المعارف والعلوم وحدها لا توجد نهضة وانه قد ان الاوان لان يبحثوا عن طريق يكون من طرق النهضة واقعيا وان يتركوا الطريق الذي يسلكون بعد ان اصبح اخفاقها يقينيا مقطوعا فيه . نعم لقد ادرك بعضهم ان اعطاء الافكار لا بد ان يتبعه الاتصال الحي للمناقشة في هذه الافكار لتمكين الناس من لمس واقعها وللحث على ايجادها رأيا عاما وعند الدولة وفي العلاقات، ومن اجل ذلك اوجدوا الاحزاب السياسية فكانت بذلك لفتة لافتة للنظر في طريق التغيير . الا ان هذه الاحزاب لم تعتنق فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة تجعلها الاساس الذي تنبثق عنه وجهة النظر في الحياة وبذلك لم تتبن الفكر الاساسي الذي يكون مقياسا للافكار ولم تتبلور لديها وظيفة الدولة ووظيفة القوانين في المجتمع ولهذا فقدت ما يوجد النهضة اي فقدت الافكار التي يجب ان تقوم بنشرها وان تتبع هذا بالاتصال الحي فرديا وجماهيريا معا، ولهذا سارت بالافكار الجزئية مأخوذة من وجهات نظر متناقضة من الرأسمالية والاشتراكية متجنبة عن تعمد وجهة نظر الإسلام ومن اجل ذلك ظلت تدور في دوامة وغلب عليها الانتهازية والاستعجال أو محاولة الأصلاح الترقيعي الذي يؤخر النهضة ويطيل عمر الفساد . وإذا استثنينا الحزب الشيوعي وحزب التحرير وهما حزبان مطاردان من جميع السلطات فانه لا يوجد في العالم الاسلامي كله الذي يسمونه الشرق الاوسط من يعمل للنهضة وان كان فيه من يخبرون الناس بانهم سائرون في طريق النهضة ولذلك كان الامر الطبيعي وفي الامة احساس عام بارادة النهوض وفيها متحمسون بذلك فعلا ان يوجد من يفحص هذين الحزبين المتعارضين بفحص افكارها سواء منها ما يتعلق بالفكرة أو ما تعلق بالطريقة أو يوجد من يتملس افكارا اخرى بفكرتها وطريقتها ليساهم بالصراع الفكري لايجاد الثورة الفكرية وبالتالي احداث النهضة ام هل سيظل المتعلمون يكتبون في المجلات والصحف ويؤلفون الكتب ويظل الناس غارقين في دوامة الالفاظ الطنانة يرددون بحماس كلمات القومية والتحرر ومحاربة الاستعمار دون ان يكون لها واقع ودون ان يكون لها اي معنى يتعلق بوجهة النظر في الحياة . ان الشيوعية في جعلها المادية والتطور المادي الحتمي عقيدة تخالف فطرة الإنسان من ناحية ان الإيمان بوجود خالق غريزة من الغرائز وتناقض حقيقة التطور"اي الانتقال من حال إلى حال"فانه لا يمكن ان يكون ذاتيا بل لا بد من وجود مؤثر خارجي اقصاه النسبة التي لا بد من توفرها بين اجزاء المادة حيث يحصل حدوث التطور، والشيوعية في جعلها حتمية التاريخ طريقة تبنى على كذب واوهام . فالافكار هي التي تغير اتجاه الحياة والإنسان الذي يحمل هذه الافكار عقيدة يقينية هو الذي يباشر تغيير الاتجاه في الحياة فيحصل من هذا التغيير التاريخ وليس التاريخ هو الذي يحدث هذا التغيير . ولهذا لا تستطيع الشيوعية ان تثبت في الحكم وفي المجتمع الا بالقوة والبطش ولو اباحت للناس الاختيار لما رضيها مجتمع من المجتمعات .
اما الإسلام فان عقيدته هي التوحيد للخالق وتسيير الاعمال بما ثبت انه قد اوحى الله به لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم باعمال العقل في فهمه للوقائع المتجددة والمتعددة لاستنباط الاحكام . وهذه الاحكام هي القوانين ووظيفتها في المجتمع إنما هي إباحة السعي طلبا للرزق الحلال وجعل الأصل في الأشياء التي تملك وفي الافكار التي تؤخذ الإباحة وتقييد كيفية التملك وكيفية التغذية الروحية بطريقة خاصة .
فهل ان للناس ولا سيما المتعلمين ان يدركوا ما هي النهضة وان يفكروا في الافكار التي تقوم على اساسها النهضة بعد ان تحسسوا الكيفية التي تثبت فيها الافكار لايجاد النهضة باتباع نشر الافكار بالاتصال الحي للمناقشة من اجل ان يلمس الناس واقعها ويحث على العمل لايجادها، لا جرم انه قد ان الاوان لذلك لا سيما بعد هذه المرحلة المشاعرية الكاسحة التي شملت الدولة العربية منذ سنة 1955 حتى اليوم ثم برز للواعين السراب الخادع الذي كانت تنشره بمختلف اساليب الدجل فان هذا وحده كاف لان يوقظ من الغفلة وان يلفت النظر بقوة إلى تلمس الهدي عن طريق الفكر المستنير

غدير
عضو مبتدئ
عضو مبتدئ

ذكر عدد الرسائل : 35
العمر : 30
الإقامة : العراق
المهنة : مهنة أخرى
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى