شكل الدولة في الإسلام (1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

شكل الدولة في الإسلام (1)

مُساهمة من طرف غدير في الأحد مارس 25 2012, 16:20

بسم الله الرّحمن الرّحيم
شكل الدولة في الإسلام (1)
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

إن وجود الدولة أو الكيان السياسي التنفيذي لمجموعة الأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى للناس من ضرورات العقل والدين. فالعقل يوجب وجود قوة تنفيذية تقوم على رعاية الناس وتنظيم أمورهم وتدبير شؤونهم؛ لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. قال الأفوه بن مالك الأودي (من شعراء الجاهلية):
لا يصلحُ القومُ فوضى لا سراةَ لهم ... ولا سراةَ إِذا جهالهُم سادُوا
تُهدى الأمورُ بأهلِ الرأيِ ما صَلُحَتْ ... فإِن توَّلتْ فبالأشرارِ تنقادُ
وأما الدين، فقد أرشد إلى وجوب وجود تلك القوة وذلك الكيان في أدلة كثيرة منها:
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}، وأولي الأمر هنا بمعنى الحكام وليس العلماء؛ لأن العالم يتبع ويقلّد ولا يطاع. والأمر بطاعة الحكام يتضمن الأمر بإيجادهم؛ إذ لا يأمر الشارع بطاعة من لا وجود له.
وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "... ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية" (أخرجه مسلم). وعن معاوية قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية" (أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وأبو يعلى في المسند، والطبراني في الأوسط). وفي رواية (عند أحمد في المسند والطبراني في مسند الشاميين): "من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية". قال ابن حجر العسقلاني (في فتح الباري ج14 ص496): "والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وإن لم يكن هو جاهليا، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير وظاهره غير مراد...".
وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "... ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم" (أخرجه أحمد في المسند). قال ابن تيمية (في السياسة الشرعية ص139): "فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع...".
والحاصل، فإن إقامة الدولة التي تطبق الشرع من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. قال الشيخ الطاهر بن عاشور (في أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ص207): "فإقامة حكومة عامة وخاصة للمسلمين أصل من أصول التشريع الإسلامي ثبت ذلك بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة بلغت مبلغ التواتر المعنوي. مما دعا الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسراع بالتجمع والتفاوض لإقامة خلف عن الرسول في رعاية الأمة الإسلامية، فأجمع المهاجرون والأنصار يوم السقيفة على إقامة أبي بكر الصديق خليفة عن رسول الله للمسلمين. ولم يختلف المسلمون بعد ذلك في وجوب إقامة خليفة إلا شذوذا لا يعبأ بهم من بعض الخوارج وبعض المعتزلة نقضوا الإجماع فلم تلتفت لهم الأبصار ولم تصغ لهم الأسماع. ولمكانة الخلافة في أصول الشريعة ألحقها علماء أصول الدين بمسائله، فكان من أبوابه الإمامة. قال إمام الحرمين [أبو المعالي الجويني] في الإرشاد: (الكلام في الإمامة ليس من أصول الاعتقاد، والخطر على من يزل فيه يربى على الخطر على من يجهل أصلا من أصول الدين)".

مباحث الدولة
قد حصل العلم مما تقدم بأن الدولة ضرورية بحكم العقل والنقل؛ لأنه لا يستقيم حال الأمة والدين بدونها. وحصول العلم بوجوب إيجاد الدولة، يحيلنا بدوره على طائفة من المباحث المتعلقة بها من حيث كيفية الإيجاد وشكلها بعد الإيجاد. أما بحث كيفية الإيجاد، فهو من المباحث التي أغفلها المتقدمون، لا لقصور فهمهم أو ضيق أفقهم، إنما لإعراضهم عن بحث المستحيلات وانشغالهم ببحث الواجبات والممكنات. وما قد نراه هنا وهناك من إشارات لبعض العلماء لا يرقى إلى درجة البحث الشرعي العميق لافتقاده فقه الواقع ومساندة الدليل، كقول إمام الحرمين (في غياث الأمم ص282): "فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلى عن سلطان ذي نجدة واستقلال وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء، وحقّ على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد؛ فإن عسر جمعهم على واحد، استبد أهل كل صقع وناحية بإتباع عالمهم، وإن كثر العلماء في الناحية فالمتبع أعلمهم، وإن فرض استواؤهم ففرضه نادر لا يكاد يقع، فإن اتفق فإصدار الرأي عن جميعهم مع تناقض المطالب والمذاهب محال. فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحد منهم، فإن تنازعوا وتمانعوا وأفضي الأمر إلى شجار وخصام، فالوجه عندي في قطع النزاع الاقتراع، فمن خرجت له القرعة قدم".
ورغم أهمية هذا البحث ولزومه إلا أننا سنهمله في هذا المقام ونركزّ نظرنا على بحث الشكل لأمرين: الأمر الأول، أن البحث في كيفية إقامة الدولة مع التسليم بوجوبها وبشكلها الذي حدده الإسلام، مما يدخل في دائرة الخلاف، فيعذر المخالف ما التزم برؤية شرعية ظنّ صوابها ومنهج تعضده الأدلة وإن ضعفت في نظر غيره. والأمر الثاني، أنّ شكل الدولة هو المبيّن لحقيقتها، فهو يتضمّن بيان أجزاء الماهية وأركانها مما لا توجد حقيقتها بدونها. لذلك كان البحث في شكل الدولة أهمّ من البحث في طريقة إيجادها. فإذا اختلف الناس في سبيل تحقيق المطلوب، واتفقوا على المطلوب، تحقّق المطلوب رغم تباين طرق تحصيله. وأما إذا اختلف الناس في المطلوب، فرأى أحدهم أن المطلوب إمبراطورية، ورأى الآخر أن المطلوب جمهورية، اختلفت ماهية المطلوب وحقيقته، فصار لا معنى لتحقّقه عندهما مع تباين ماهيته.

شكل الدولة
الشكل هو هيئة الشيء وصورته التي يعرف بها. وشكل الدولة هو مجموع المقاييس والأحكام التي يتمثّل بها كيان ما على هيئة سياسية تنفيذية معينة. ويشمل ذلك البحث في لقبها وقواعدها وأركانها وأجهزتها وغير ذلك من أمور الحكم والإدارة.
ونظرا لتعدد هذه المباحث وتشعبها فسنكتفي في هذا المقام ببحث اللّقب. واللّقب هو الاسم الموضوع للشيء ليكون علما عليه تمييزا له عن غيره. ومن المعلوم أن ألقاب الدول تدلّ على ما يميّزها في الحكم والإدارة؛ لأنّها بمثابة التعريف لنظام حكمها، ولذلك كانت الجمهورية مثلا غير المملكة.
وعليه، فإن بحثنا الرئيسي يتعلّق بلقب الدولة الإسلامية، وسنضيف عليه تكملة وفائدة ما يتعلق بلقب حاكم المسلمين.

يتبع إن شاء الله تعالى...
15 صفر 1429هـ

غدير
عضو مبتدئ
عضو مبتدئ

ذكر عدد الرسائل : 35
العمر : 30
الإقامة : العراق
المهنة : مهنة أخرى
تاريخ التسجيل : 20/08/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى